ولد الدكتور خالد أبوشادي في الثامن عشر من شهر مارس 1973 في قرية تسمى تفهمنا العزب في مركز يدعى زفتى التابع لمحافظة الغربية المصرية .
د. خالد أبوشادي
ولد الدكتور خالد أبوشادي في الثامن عشر من شهر مارس 1973 في قرية تسمى تفهمنا العزب في مركز يدعى زفتى التابع لمحافظة الغربية المصرية . بدأ دراسته الجامعية في الكويت ، وأكملها في مصر حتى تخرج من كلية الصيدلة الدوائية جامعة القاهرة ، له العديد من الكتب والمقالات والرسائل الدعوية التي يركز فيها على تزكية القلب وإصلاحه .
وقد تميزت كتاباته بقدرته الكبيرة على التوصيف الدقيق والمفصل للمشاكل التي يتحدث عنها وتمكنه الفريد من تقديم حلول ناجعه وقوية وفاعلة لهذه المشكلات ، ويرجع سبب تميزه في كتاباته لعمله الدعوي على أرض الواقع والذي اكسبه مهارات دعويه كثيرة .
وفي كتاب رمضان ثورة التغيير يتحدث الداعية الدكتور خالد أبوشادي عن شهر رمضان المعظم وأثره في نفس الفرد المسلم ، وكذلك المجتمع المسلم . ويتحدث عن فضل الشعيرة المميزة لشهر رمضان وهي الصوم فيتحدث عن فوائده الروحية والنفسية، وكذلك فضله الشرعي والتعبدي . ويتحدث الكتاب عن العدو الأول والأكبر للمسلم في رمضان ألا وهو الوقت ، فيحدثنا الكاتب عن أهمية استثمار الوقت في رمضان ، كما يقدم بعض النصائح والتوجيهات لحسن استخدام الوقت في هذا الشهر الفضيل . ويتميز هذا الكتاب بكترة الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم والسنة النبوية وكذلك بعض الأشعار والأقوال المأثورة .كما يحثنا الكاتب على التغيير ولا سيما التغيير إلى الأفضل وخاصة في شهر رمضان .
إن تغيير نفوسنا هو الأساس اللازم لدخول التغيير الإلهي المرتقب حيز التنفيذ ، وهذا ما نطقت به الآية :
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ورمضان فرصة لإحداث هذا التغيير، وذلك مما يساعد طول مدة الصيام يلتزم بها الصائم خلال ثلاثين يوماً ينقطع عن الطعام والشراب والشهوة طواعية وبإرادته ، ويتحكم في إنفعالاته وهي مدة طويلة كافية لإحداث التغيير المنشود إذا صدقت النوايا ، فالصوم المتصل بمثابة المحافظة على جرعة دواء فعالة ، وذلك يؤدي إلى حدوث الشفاء وهو لون من ألوان التربية الربانية المباركة ، إن المواظبة على العمل الصالح فترة والانقطاع عنه فترة تضعف تأثيره على القلب بخلاف المواظبة والاستمرار ، ولذا كان من رحمة الله بنا أن فرض علينا الصيام شهراً كاملاً لمنفعتنا وحرّم علينا الإفطار بغير عذر ولو ليوم واحد ، فظاهر الأمر إلزام لكن باطنه فضل وإنعام ، ولهذا لا تجد مسلماً صام هذا الشهر بحقه إلا وقد تأثر قلبه وسرت فيه نفحة إيمانية ، ويبقى استمرار التأثر مرتبطاً بالإنسان نفسه هل يحمي رصيده الذي اكتسبه أم يقع فريسة النسيان .
اجعل لرمضانك هذا العام طعماً أخر .. طعم الخير .. ونفع الغير .. ونشر الهداية .. كن إيجابياً .. أقر عين المؤمنين بإصلاحك .. وأحرق قلوب المفسدين بأنوارك .. زد شعلة رمضان اشتعالاً وبهاءً .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه) .
قال الله تعالى : (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ).
كما قال صلى الله عليه وسلم : (ثلاث دعوات لا ترد ، دعوة الوالد ودعوة الصائم ودعوة المسافر) .
قال الله تعالى : (يأيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) .
هو الله الخالق العالم بما يصلحنا وما ينفعنا ، ومن ذلك تشريع الصيام وهو أمر دافعه الحب والحرص على عباده . والصوم أقصر طريق للوصول إلى التقوى مع ما في التقوى من القرب من الله والتعرض لثوابه .
اللهم اجعلنا من عتقاء هذا الشهر من النار .
اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وسائر أعمالنا .
اللهم كما سلمتنا رمضان فتسلمه منا بما كان فيه من غفلة أو عصيان .
اللهم إنا نعوذ بك من صيام مردود وعمل غير مقبول .
اللهم جمّل بواطننا بالاخلاص لك وحسن أعمالنا باتباع رسولك .
اللهم أيقظنا من الغفلات ونجنا من الدركات ، وكفّر عنا الذنوب والسيئات ، وتقبل صيامنا يارب العالمين .
قال أبوحامد الغزالي : لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فترقدوا كثيراً فتخسروا كثيراً ، وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب ، والعمر أنفس الجواهر وهو رأس مال العبد فيه يتجر ، والنوم موت فتكثيره يُنقص العمر
قال الفضيل بن عياض : خصلتان تقسيان القلب كثرة النوم ، وكثرة الأكل .
قال ابن القيم : النوم يميت القلب ، ويثقل البدن ، ويضيع الوقت ، ويورث كثرة الغفلة والكسل ، وأنفع النوم : ما كان عند شدة الحاجة إليه . ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره .ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه . وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه ، وكثر ضرره ، لا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا السهران . ومن المكروه النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس . فإنه وقت غنيمة ، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة ، حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس ، فإنه أول النهار ومفتاحه ، ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم ، وحلول البركة .
وكما قال الشاعر :
ياطويل الرقاد والغفلات كثرت النوم تورث الحسرات
إن في القبر إن نزلت إليه لرقاداً يطول بعد الممات
مضى عهد النوم وولت ساعات الراحة لأن شهر السهر في الطاعة قد جاء ، وساعات التعب في لذة العبادة قد حضرت ، وليالي القرب من الله قد دنت .
اللهم اكفني من النوم باليسير .
لا تجعل منامي عن طاعتك ، واجعل منامي عن معاصيك .
فالتائب من الذنب كمن لم يرتكبه (التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) ، والثوب المغسول كالذي لم يتوسخ أصلاً ، فالتائب حبيب الرحمن ، قال الله تعالى : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله وأستغفره في كل يوم مائة مرة )
قال الفضيل بن عياض : ما من ليلة اختلط ظلامها وأرخى الليل سربال سترها إلا نادى الجليل جل جلاله : من أعظم مني جوداً والخلائق عاصون ، وأنا لهم مراقب ، أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني ، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا ، من بيني وبينهم أجود بالفضل على العاصي ، وأتفضل على المسيء ، من ذا الذي دعاني فلم أسمع إليه ؟ أو من ذا الذي سألني فلم أعطه ؟ أم من ذا الذي أناخ ببابي ونحيته ، أنا الفضل ومني الفضل ، أنا الجواد ومني الجود ، أنا الكريم ومنى الكرم ، ومن كرمي أن أغفر للعاصي بعد المعاصي ، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني ، فأين عني تهرب الخلائق ، وأين عن بابي يتنحى العاصون ؟!
قال الامام علي رضي الله عنه : العجب ممن يهلك ومعه النجاة ، فقيل : وما هي ؟ قال : الاستغفار والتوبة .
قال ابن عباس رضي الله عنه : كل ذنب أصر عليه العبد كبير ، وليس بكبير ما تاب منه العبد .
اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلى وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني .. اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي .. اللهم اغفر لي ما قدمّتُ وما أخّرتُ وما أسررتُ وما أعلنتُ وما أنت أعلم به مني ، أنت إلهي لا إله إلا أنت .
رب اغفرلي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم ، بهذا التعميم في الدعاء وهذا الشمول تحصل التوبة لكل الذنوب التي عملها العبد من ذنوبه وما لم يعملها ، فينبغي ألا يخلو يوماً في حياتك من توبة عامة شاملة .
يفيض القرآن الكريم بآيات التفاؤل وبث الأمل وتبديد اليأس والأحزان ، قال الله تعالى : ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) .
يبث شهر رمضان روح التفاؤل فهو شهر المغفرة والاستغفار لمن أسرف على نفسه ، وشهر الانتصارات في كبرى معارك الإسلام وشهر كل خير ، اللهم أعني على بث الأمل في من حولي ، واجعلني مفتاح للخير ، مغلاقاً للشر .
الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه ، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه . قال : فيشفعان .
إن التدبر بالقرآن الكريم والتأمل لمعانيه ، وإعادة التفكر فيه مرة بعد مرة تدرك بركته وخيره ، وأنه من أفضل الأعمال .
قال أبوهريرة : إن البيت الذي يُتلى فيه القرآن اتسع بأهله وكثر خيره وحضرته الملائكة وخرجت منه الشياطين ، وإن البيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله عزوجل ضاق بأهله وقل خيره وخرجت منه الملائكة وحضرته الشياطين .
قال ابن مسعود : ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون ، وبنهاره إذا الناس يفرطون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخوضون ، وبخشوعه إذا الناس يختالون . وينبغي لحامل القرآن أن يكون مستكيناً ليناً ولا ينبغي له أن يكون جافياً ولا ممارياً ولا صياحاً ولا صخاباً .
قال أبوحامد الغزالي : أما تستحي أن يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفاً حرفاً حتى لا يفوتك شيئاً منه ، وهذا كتاب الله أنزله إليك .. انظر كم فصّل لك فيه القول .. وكم كرره عليك لتتأمل وتتدبر ، ثم أنت بعد كل هذا مُعرض !! أفجعلت الله أهون عليك من بعض إخوانك ؟ يزورك أخوك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك ، فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أًوْمَأت إليه أن يكف ، وها هو الله يقبل عليك ويتحدث إليك وأنت مُدبر مُعرض مشغول .. أفجعلته أهون عندك من بعض خلقه ؟!
اغتنموا شهر رمضان بقراءة القرآن وتدبروا آياته واسمعوا كلام الله لنجاتكم لأنها فرصة لا تقدر بثمن لتحققوا أعظم استفادة لأنه وقت مبارك جميع ابواب رحمة الله مفتحه وخاصة العشر الأواخر حيث ليلة القدر . استثمروا هذه الأوقات للنجاة في سوق الآخرة لتنالوا التجارة الرابحة .فلنسارع للطاعة فهي فرصة لا تعوض .
اغتنام الوقت بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى وحده ، وصدق التوجه إليه بالنية الخالصة الصادقة ، إمعان النظر في حديث الله تعالى في كتابه العزيز بفضل هذا الشهر الفضيل المبارك ، والاستعداد وإعداد العدة والتفرغ له ، وتنظيم الوقت وتقسيمه تقسيماً دقيقاً محكماً بحيث يجعل جزءاً منه لتدبير شؤون معاشه التي لا بد له منها ، وجزءاً آخر لأوراده اليومية وأذكاره الصباحية والمسائية ، وجزءاً منه لنوافل عبادته الأخرى من صلاة وذكر وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وجزءاً أكبر من وقته لتلاوة كتاب الله وتدبر معانيه ، واتخاذ الصحبة الصالحة التي تعين المرء على الخير وتبعده عن الشر .
قال الله تعالى : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ... ) يقصد بالعصر هنا : الدهر أو الزمن وذلك لشرفه وقيمته ، فالله سبحانه وتعالى يقسم بالعصر لأنه لا شيء أنفس من العمر ، وفي تخصيص القسم بالعصر إشارة إلى أن الإنسان أحياناً ينسب المكاره إلى الزمن ، وبعض الناس يسبون الدهر ويقولون : يا خيبة الدهر ! يا ويل الدهر ! فالله سبحانه وتعالى يقسم به ليبين أن العيب فيكم ، ويحل بكم العقاب بسبب أعمالكم أنتم ، وليس للدهرشأن في ذلك ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ) فإنه أقسم بالدهر ليبين شرفه ومكانته ، وأنه من نعم الله سبحانه وتعالى .
لنتخذ رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة كان إذا نامت عيناه لم ينم قلبه ، وفي رمضان كان أكثر ما يكون اجتهاداً في العبادة ، فإذا أتى العشر الأواخر اعتزل الناس وقام الليل واجتهد أكثر ما يكون الاجهاد .
قال رسولنا الكريم : ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ) والغبن : أن يشتري الإنسان السلعة بأضعاف الثمن ، أو يبيعها بأقل من الثمن المستحق ، فالإنسان إما بائع أو مشتري ، فإذا اشترى شيئاً بأضعاف ثمنه الحقيقي فقد غُبن ، وإذا باع شيئاً بأقل من السعر فقد غُبن ، فهاتان نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، إذ إن رأس مال الإنسان في هذه الدنيا أمران : الصحة ، والفراغ ، فالصحة يعقبها السقم ، والفراغ يعقبه الشغل ، فمن جمع الله له هاتين النعمتين فهو الذي يستحق أن يغبطه الناس عليه وإلا فهو المغبون حقاً .
قال ابن القيم : أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل الوقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها ، كيف يكون عاقلاً من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة وإن إضاعة الوقت أشد من الموت لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة ، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها .
قال ابن الجوزي : ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته ، فلا يضيع لحظة منه في غير قربة ، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل ، والله إني لأتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل ، فإن الوقت والزمان عزيز .
وفي هذا إشارة إلى قيمة الثروة التي بين أيدينا ونحن لا نشعر بها ، وتنبيه على إننا نمر الآن بأشرف الأوقات ، وبين أيدينا أسهل الفرص لنيل المغفرة والفوز بالجنة . وإذا كان الوقت أغلى من أي مال على الإجمال ، فكيف تكون إضاعة الوقت في شهر رمضان الذي يحسب بالدقائق والثواني ، وإن أردت الدليل وصف الله هذا الشهر بقوله : أياماً معدودات ، وكأنه فرصة سرعان ما تهرب .في رمضان تجارة ليست كأي تجارة .. الحسنة بعشر أمثالها .
إن شهر رمضان تتضاعف فيه الأجور ، وصلة الرحم من أعظم العبادات ، فرمضان فرصة لتوثيق هذه العبادة بين الارحام لما فيه من صفاء نفس الخلق وقربهم من الله وتتعدد فيه وسائل التواصل والدعوات فيجب على كل مقصر في هذه العبادة أن لا يضيع هذه الفرصة الغالية .
قال الله تعالى (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) .
فإن سبك أو شتمك أحد فقل إني صائم ، الحلم والعفو من أجمل أخلاق رمضان ، فهو شهر المغفرة والعفو ، مما يغري العبد بأن يعفو عمّن أساء إليه أو ظلمه ، ولا يوقع به العقوبة عند القدرة عليه ، طمعاً في أن يعامله الله بالمثل .
اللهم أرزقنا الحلم والأناة ، واجعلنا من الذين إذا جهل عليهم صبروا ، واجعلنا ممن إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .
اللهم أيما امرئ شتمني أو آذاني أو نال مني ، اللهم إني عفوت عنه ، فأعف عنه . اللهم إني عفوت عن عبادك فاجعل لي مخرجاً أن يعفو عبادك عني .
رمضان مدرسة عملية تمارس فيه الرضا بصورة عملية، فانت ترضى فيه بترك الطعام والشراب طوال النهار،طمعاً راضياً محتسباً ، فلماذا لا يبقى هذا المعنى في قلوبنا بعد رمضان ، فنرضى بقضاء الله حلواً أو مراً طمعاً في نفس الأجر والثواب.
اللهم رضّني بقضائك ، وبارك لي في قدرك ، حتى لا أحب تعجيل شيء أخّرته ، ولا تأخير شيء عجّلته . اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ، أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي . أسألك الرضا بعد القضاء .
لن ألتمس رضا الناس بسخط الله بعد اليوم ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فالتماس رضى الناس علامة الإفلاس فمن التمس رضى الناس وقع في سخط الله ، ومن التمس رضى الله قطع يأسه من الناس . لا أعترض على قضاء الله عليّ ، وأوقن أنه الخير لي ، وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا . لا أتطلع إلى من هو أعلى مني حسداً ، ولا إلى من هو أقل مني كبراً .
فإن رمضان شهرُ الجود ، وشهرُ السخاء فالنفوس في هذا الشهر تميل للكرم بفطرتها ، وتوسع فيه على الغير رجاء أن يوسع الله عليها ، وتشمل المحتاجين بالإحسان طمعاً في أن يشملنا الله بإحسانه ، وتندفع بقوة نحو فعل الخير بعد تصفيد الشياطين ، فتنبعث إلى ما يزكيها ويطهرها من شحها ، وقد جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان .
اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم . اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي . اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب ، وأسألك القصد في الفقر والغنى ، وأسألك نعيماً لا ينفد ، وأسألك قرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضا بالقضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين . اللهم إننا دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا يارب كما وعدتنا .
حُسن العبادة هو المطلوب وليس مجرد العبادة ، والحُسن لا يتحقق إلا بأمرين الإخلاص ومتابعة أمر الله . لا بد بعد القول من عمل ، فبعد أن يدعو الإنسان بهذا الدعاء عليه أن يبدأ على الفور في الانطلاق إلى ميدان الأعمال الصالحة التي ترضي الله .
فصلاح أمرك كله في الاستعانة بالله ، فالغاية العبادة والوسيلة الإعانة ، ولا يمكن أن يظفر أحد بالغاية دون الوسيلة ، ولذا قال ربنا لنبيه : فاعبده وتوكل عليه ، والتوكل هو الاستعانة ، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم : احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ، حتى أننا في الأذان عند سماعنا حي على الصلاة .. حي على الفلاح نقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وفي الخروج من المنزل نقول : بسم الله .. توكلت على الله .. ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وهي كلمات تفيض بالاستعانة .
اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وهما مرتبتان الأولى : أن تعبده كأنك تراه ، وهي الأعلى ، فإذا لم يستطع العبد أن يحصل ذلك فإنه ينحط إلى المرتبة التي بعدها من مرتبتي الإحسان ، وهو أن الله يراه ، فيعلم أن الله عز وجل مشاهد له مُطلع عليه في ظاهره وباطنه ، وإذا تحقق العبد من هذا لم يكن التفاته إلى المخلوقين فيتزين لهم ويتصنع ، ويكون محافظاً على حدود الله عز وجل في الخلوة ، ويكون منتهكاً لحرماته في العلانية ، فإن هذا لم يراقبه .
قال الحارث المحاسبي : المراقبة علم القلب بقرب الرب .
وسئل الجنيد : بم يستعان على غض البصر ؟ قال : بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره .
وكان ابن السماك ينشد :
يامدمن الذنب أما تستحي والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا
قال الحارث المحاسبي : والمراقبة في ثلاثة أشياء :مراقبة الله في طاعته بالعمل ، ومراقبة الله في معصيته بالترك ، ومراقبة الله في الهم والخواطر ، وللخواطر ومراقبتها والتنبه لها أهمية كبرى ، لأنها بذور الأعمال .
قال ابن مسروق : من راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جوارحه .
قال ابن عباس : يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته ، ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا علمته ، قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب ، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب ، وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب ، وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب ، وخوفك من الريح إذا حرّكت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله لك أعظم من الذنب .
قال الحسن : رحم الله عبداً وقف عند همه ، فإن كان لله مضى ، وإن كان لغيره تأخر .
في رمضان لا يطلع عليك أحد إلا الله ، ومع هذا لا تأكل أو تشرب ولوكنت وحدك ، وحتى عندما تطبخ لا تتذوق الطعام إلا ولفظته لئلا يتسلل شيء منه إلى جوفك ، وهذا كله تدريب يومي عملي على اطلاع الله عليك ومراقبته لك ، فهل نستغل القوة الدافعة والشحنة المكثفة لترسيخ المراقبة في القلب لتراعي الله في سرك وجهرك بعد رمضان .
اللهم اجعل سرنا خيراً من علانيتنا واجعل باطننا خيراً من ظاهرنا .
اللهم اجعلنا نعبدك كأننا نراك ، ولا تجعل مخافتنا من أحد سواك .
اللهم إن لنا ذنوباً سترتها عن أعين الخلق في الدنيا فأتمم علينا سترك الجميل ولا تفضحنا بها يوم اللقاء .
كان أبوإسحاق الشيرازي إذا جاءه الليل قام وناجى ربه :
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وقُمت أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلت يا عُدتي في كل نائبة ومن عليه يكشف الضر أعتمد
أشكو إليك أموراً أنت تعلمها مالي على حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالذل معترفاً إليك يا خير من مُدت إليه يد
فلا تردها يارب خالية فبحر جودك يروي كل من يرد
فكان يرددها وهو يبكي ويناجي ربه .
قال عمر بن مسلمة النيسابوري : الخوف سراج القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر ، وكل أحد إذا خفته هربت منه ، إلا الله عز وجل فإنك إذا خفته هربت إليه .
قال الحسن : ما خافه إلا مؤمن ، وما أمنه إلا منافق .
اللهم خشيتك في الغيب والشهادة .
اللهم اجعلنا أعلم الناس بك وأخشاهم لك .
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك .
مع شديد الأسف انتشرت معاصي السر وخيانة الله في الخلوات وعصيانه حين تُغلق على المرء الأبواب ، وجاهر الناس بالمعصية دون إحساس بقبح الذنب حتى وصلوا إلى درجة استحسان الذنب والتفاخر به ولم يبالوا بنظر الله لهم فضلاً عن نظر الناس لهم ، خافوا من الخلق أكثر مما خافوا من الخالق ، فسد الصالح وضاعت الفطرة وانحرف المستقيم لأن يداً وحدها لا تصفق ، ولأن الكثرة تغلب الشجاعة ، فانحرف الشباب لأن الهدم أسهل من البناء وصحبة السوء هي واحدة من أهم أسباب السقوط واللغو وتضييع الوقت في ما لا طائل منه ، والتنافس على التفاهات لا على الخيرات ، وغلبة الحب الشخصي والمنفعة الفردية على الحب في الله والتعاون على البر والتقوى .
اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء ومن ليلة السوء ومن ساعة السوء ومن صاحب السوء ومن جار السوء في دار المقامة .
اللهم يسر لنا جليساً صالحاً .. يذكرنا بك إن نسينا ويعيننا إن ذكرنا .
اللهم ارزقنا الصحبة الصالحة .. اللهم إن لنا إخواناً نحبهم فيك .. اللهم اجمعنا بهم في الفردوس الأعلى مع النبي صلى الله عليه وسلم .. اللهم لا تحرمنا هذه الصحبة بذنوبنا .
رمضان شهر رجاء المغفرة ، ورجاء العفو ، ورجاء العتق من النار ، ورجاء الرحمة ، ورجاء الجنة ، ورجاء الثواب ، ورجاء قبول الأعمال ، وهي كلها بمثابة فتح باب الأمل الواسع ليشرق القلب بنور الله .
قال الله تعالى : (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا )
علق سبحانه الهداية بالجهاد ، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً ، وأفرض الجهاد : جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا ، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصله إلى جنته ، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطّل من الجهاد ، ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطناً ، فمن انتصر عليها انتصر على عدوه ، ومن نُصرت عليه انتصر عليه عدوه .
القدرة على الإنجاز عن طريق الصيام بالتغلب على شهوات البطن والفرج والتحكم في النفس عند الغضب والاستعلاء على مظاهر الإغراء والمتع اللحظية في سبيل الوصول إلى الهدف المرسوم والقدرة على تحمل الأذى وتجاوز الأزمات حتى تحقيق ما أُريد .
اللهم اجعلنا من عتقاء هذا الشهر من النار .
اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وسائر أعمالنا .
اللهم كما سلمتنا رمضان فتسلمه منا بما كان فيه من غفلة أو عصيان .
اللهم إنا نعوذ بك من صيام مردود وعمل غير مقبول .
اللهم جمّل بواطننا بالاخلاص لك وحسن أعمالنا باتباع رسولك .
اللهم أيقظنا من الغفلات ونجنا من الدركات ، وكفّر عنا الذنوب والسيئات ، وتقبل صيامنا يارب العالمين .
وفي الختام نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى ، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان . ونهيب بكل مسلم في هذا الشهر المبارك أن يلح بالدعاء لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يردها إلى دينها رداً جميلاً ، وأن يجمع كلمتها ، ويوحد صفوفها ، وأن يرفع لها راية التوحيد والجهاد وتلتف حولها وتسير تحت ظلها ، إنه على ذلك قدير وهو بإجابة من دعاه جدير .
تهاني مهدي